المسلخ البشري

يُجمِّد الجلاد السادي ضحاياه كي يتمكن هو من التَّحرّك ، ينزلهم إلى مرتبة اللاشيء كي يصبح هو كل شيء".
هَكذا وصف الدكتور مصطفى حجازي سيكولوجية الجلَّاد في كتابه (الإنسان المهدور) ،و هذا الوصف يسقط تمامًا على الأنظمة الديكتاتورية العربية التي تمارس سطوتها و سلطتها مِن خلال ما يسمى بـ "المُعتقلات و السجون" لِكُل من عارضها و تمتم بظلاميتها. يَكمن الإرهاب القمعي التي تمارسه الأنظمة العربية في نوعية المعتقلات التي تتخذها لها كسوط يُربِّي مُعارضيه ،و نحنُ هُنا بِصدد ذِكر فروقات ملحوظة ما بين السجن العربي و السجن الغربي.

مما لاشكَّ فيه أن المرآة الأمينة الصادقة لوجوه أنظمة العالم تكمن في أوضاع و ظروف السجون لها، و مِما يبعث الأسف هو إنعدام وجود مُنظمة دولية تتبنى قياس مُؤشرات لتحديد أفضل سجون العالم و أقذرها لتصدر قائمة سنوية، بحيث تُدرج فيها الدول غير المتعاونة مع المنظمة المعنية حسب درجة عدم تعاونها لِلكشف عن سجونها في ذيل السجون الأقذر.
يتلبس الإنبهار المواطن العربي إذا ما قرأ عن أوضاع سجون الدول الغربية في أنماطٍ عديدة كالنظافة ومحتوياتها من آثاث ومزايا عديدة يتمتع بها السُّجناء السياسيين والجنائيين على حد سواء ،و الأفلام الوثائقية لنماذج تلك السجون لخير دليل على مُؤشر الفروقات بين سجوننا و سجونهم وبخاصة التي يوجد بعضها في الدول الأسكندنافية المعروفة بتصدرها دول العالم في مجالات عديدة من حقوق الإنسان والديمقراطية والرفاه والسعادة ، حتى شبه العرب المنبهرون زنازن تلك الدول الغربية بغرف الفنادق ذات الخمس نجوم ، وغني عن القول أن مبعث هذا الإنبهار لِمقارنتهم إياها بواقع الحال في سجون الأنظمة الدكتاتورية والشمولية العربية الأشبه بـ "المسالخ البشرية" .
و هذه المسالخ البشرية إنما بُنيت و شُيدت طوبًا طوبًا لتستهدف النيل من نواة الكيان الإنساني ،و الحديث عن المسالخ البشرية هذه يُدرج تحت ميثاق حقوق الإنسان، و سرد و فضح بعض ما يتم مُمارسته في مسالخنا و مقارنته فقط مع حق من حقوق السجين الغربي كأن يُسمح للسجين الغربي العيش في نظافة معتقله، كفيل أن يُوضح لنا المأساة التي يعيشها المواطن العربي من إبادة في حقه كإنسان داخل المعتقل.

"يقول الإنسان أنَّهُ لَن يقول شيئًا ، أما إذا بدأوا يضربونه و إذا استعملوا أساليبهم فإنهُ يُقرر في تلك اللحظات، و كيف يقرر؟ إن جسده هو الذي يُقرر : الإرادة في تلك اللحظات تموت. تخبو ،و الجسد وحده هو الذي يفعل كل شيء".
هكذا وصف عبد الرحمن مُنيف في روايته شرق المتوسط ،تدمير كيان السجين و إيصاله إلى وضعية "الحي-الميت" عن طريق كسر إرادته و مناعته و كثافته الذاتية ليصبح مجرد شيء يمتلكه الجلاد بدايةً من طريق عدم الإعتراف بإنسانية الضحية، و نحنُ هُنا بِصدد طرح بَعض ما يحدث من فنون التعذيب أو الإرهاب القمعي الذي يُمارس على الضحية مِن قبل الجلَّاد ،بعيدًا عن التعمية و التغطية للهدر التدميري الكارثي في عمليات التعذيب:
(الحفلة) هي عملية تعذيب كُلية أطلق عليها الجلادون هذا المصطلح تيمنًا بِسخريةٍ مأساوية،و تتضمن أبعادًا جسدية و أخرى نفسية هدفها التدمير الكُلي لهذا الكيان الإنساني لإخراجه من ساحة المعركة مع السلطة و قد يتم تدجين هذا الكيان المعارض و تحويله من عقبة إلى أداة يخدم الإستبداد.
و يُمكننا سرد أدوات رؤساء الحفلة في محورين:
١-التحقير المعنوي:
يهدف التحقير المعنوي الصادر من الجلاد على الضحية،عبر الإذلال الذي من شأنه يحطم صورة الذات من حيث انعدام التقدير الذاتي الذي يسلب إنسانية الإنسان و كيانه و حرمته و احترامه ،و أشد أنواع التحقير إيلامًا التحقير اللفظي المقولب في طبعه الشتائم و إطلاق النعوت اللأخلاقية على السجين و ذويت و خصوصًا الأم و الزوجة-لِما لهما من حرمة أخلاقية-. من خلال التحقير للأم و الزوجة ينال الجلاد من كرامة السجين حيث يولد جرحًا نرجسيًا دفينًا للسجين..
تلقي الصفعات المتتالية و الإهانات من أحد أنواع الهدر لذاتية السجين،كتحويل السجين لدابة يركب عليها جلادوه ليطلقوا نعوت الدواب عليه ، و كإجباره على العواء كالكلاب أو النهيق كالحمير و في هذا محاولة تبخيسية لمكانة الإنسان.و كالتعرية من الملابس و السخرية من السجين الذي بثقافته متمسك بحرمة جسده،و إطفاء السجائر في مختلف أنحاء جسده و خصوصًا المناطق الحساسة،و الإغتصاب بالعصي و الأنابيب و الذي يشكل أشد أساليب التحقير إلحاقًا للأذى و المهانة بالسجين ،ومن شأن هذه الأساليب تمكين جرح فاغر و شعور بالعار على السجين يجتره بشكل دائم دون اللجوء للبوح به للآخرين و عدم البوح من شأنه أن يعتمل في نفسه صراعًا مع صورة الذات و اعتبارها.
كذلك من وسائل التعذيب النفسي التخويف ووضع السجين في توقع الأسوأ على شكل الإعدام أو القتل،حيث يتم اقتياده معصوب العينين لمكان الإعدام المزعوم و أعلامه أن ساعة الإعدام حانت دون إخباره مسبقًا ،و هذا يؤدي إلى إحداث أذى دماغيًا و ليس نفسيًا فقط و قد يكون خطيرًا بعض الأحيان نتيجة لوصول الضغوط و التوتر و القلق إلى أقصى مدى ،بحيث لا يعود الجهاز العصبي تحملها و لا الجسم ناهيك عن التحمل النفسي.
هَذا غير اِنعدام نظافة المرافق العامة في السجن ،بل و تعمد جعل مجاريها على الدوام طافحة لتحطيم و تقزيز نفسية السجين كلما إضطر لقضاء حاجته فيها ،و غير نوعية الوجبات المُقدمة التي تعافها نفسية الحيوان فما بالك بالبشر؟ و غير قائمة الممنوعات من الحاجيات التي يرغب السجين بإدخالها معه، كبعض الكتب و المأكولات المنزلية، و مصادرة حقه في التعليم ،و سلبه حقه في التواصل مع العالم الخارجي .. و هذا الوضع المزري للسجون العربية تعكس عقليات السلطات العربية لجعلها مراكز تعذيب و إنتقام شامل من السجناء و المعتقلين.
هذا التحقير المعنوي و النفسي المذكور أعلاه ليس كل شيء، لكنه من ضمن أساسيات الحفلات اليومية التي تقام كمصيبة على كيان السجين.

٢-التحقير الجسدي:
أمَّا التعذيب الجسدي فهو واجهة جحيم الإعتداء على إنسانية الإنسان و هدرها،و نحنُ هنا بصدد قعر انحطاط قيمة الإنسان و الذي فيها يصبح الموت أهون و أكرم للإنسان من مجابهة حفلات التعذيب شديدة التنوع ،و كلها هدفها إحداث أشد الآلام الممكنة لكسر مقاومة الضحية..
الضرب و الركل المبرح ،بالكلمات و السياط ،الدوس على الجسد بالأقدام في المناطق الحساسة ،اقتلاع الأظافر و الأسنان و تعذيب الأعضاء التناسلية، الصدمات الكهربائية المُختلفة،الإغتصاب من خلال إدخال أدوات مؤذية في مخارج البدن و العضو التناسلي،التعليق من الأقدام و الرأس إلى الأسفل،التعليق من الأيدي و الأرجل و البطن إلى الأسفل مما يؤدي إلى تقوس الظهر و آلام مبرحة في العمود الفقري ، كيس القطط حيث يوضع السجين في كيس خيش كبير و توضع معه القطط الشرسة و ضرب الجلاد على الكيس كي تهتاج القطط و تمزق جسد الضحية ، صب الزيت أو الملح على الجروح،السجن في قفص ضيق لا يسمح للسجين الجلوس فيه أو الوقوف و حتى الحركة ، وضع السجين في حوض من الماء البارد جدًا في الشتاء و غسله على وجه الفجر بالماء البارد و أحيان أخرى منعه من الإغتسال لردهةٍ من الزمن، منع النوم بوسائل متعددة و هذا يسبب الإجهاد ..كذلك إرغام السجين على التبول و التغوط في ملابسه ،حيث يضج الجسد بروائح عديمة الإحتمال و هذه وسيلة تنال من الكرامة الذاتية ؛لأن النظافة ترتبط بالتقدير و الإعتبار أما قذارة الجسد الذي يُجبر عليها السجين فهي تثير هوام الكيان السيء المقرف المقزز. و التجويع الذي يعتبر وسيلة فعالة للتركيع ،و الجوع يولد الشعور بالخواء و يطلق هوامات الحرمان و النبذ ..العزلة الطويلة التي تفجّر لدى السجين القلق و ما يصاحبه من عقدة "الطفل المهجور"..
و غيرها من المُمارسات و الوسائل التعذيبية التي لا يقتصر أذاها على ما تولده من آلام جسدية فقط بل إن دلالاتها الثقافية قد تكون أصعب احتمالًا كما يقول د.حجازي تهدف إلى تحقير الضحية و إذلالها و تجريدها من دلالتها الإنسانية.
في نهاية المطاف لا عجب أن يخرج السجناء من هذا المسلخ البشري و هم مصابون بالأمراضِ و العاهات و الإحباط النفسي الذي يصاحبهم مدى الحياة إلا مَن رحمه ربي و قاوم.

و طريق الوصول لهذا المسلخ يبتدأ بقمع الفِكر مِن قبل الديكتاتور ،حتى التصفية الجسدية للمعارضين ،و هذه وسيلة خفية يراكم بها النظام الديكتاتوري في نفوس أبناء شعبه كراهية مستترة أو معلنة أحيانًا تتغذى على الخوف الذي يشيعه الحكم كل يوم.
و علّ ما يمكننا ذكره من هذه المسالخ التي لا يتصورها المواطن الغارق في ترف الصمت و العمى ،مسالخ الأنظمة القمعية لِكُل من سوريا و العراق و اليمن -خاصةً اليمن بعد معتقلات الإمارات السرية- و بقية الدول المجاورة .