الخفة والإستهتار.. عنوان عهد

يرحم الله الرئيس صالح ، وزميله عارف الزوكا في ذكرى استشهادهما الأولى.

كان صالح إنسان له مزايا كثيرة، وله من الود الكثير عند محبيه .. لكن ليس من بين مزايا صالح، صلاحيته لتدبير شأن بلد وأمه مثل الشعب اليمني والدولة اليمنية .. أضاع صالح فرصا كثيرة كان بإمكانه انتهازها لبناء دولة يمنية يسودها النظام والقانون والحزم والعدل، لكنه لم يفعل.. وترك صالح السلطة ، واليمن البلد الأكثر فقرا في المنطقة العربية، والشرق الأوسط، بعد حكم طال أكثر من ثلاثة عقود ، وضياع فرص كثيرة.
 

أما صاحبه عارف الزوكا فقد كان من خيرة أبناء اليمن رجولة وشجاعة، ويكاد أن يكون الرجل التنظيمي الأول في المؤتمر، فقدرته على التنظيم والتربيب هائلة، لاحظت ذلك عندما أشرفت على انتخابه رئيسا لفرع مؤتمر شبوه في عام 1995.. كيف لم يتمكن من فعل ذلك عشية مقتله مع الرئيس صالح.؟ لا بد أنه سبق السيف العذل.

صالح عنوان عهد ومرحلة من خفة الساسة والسياسة اليمنية واستهتارها وعقمها وسذاجتها، التي نشأ في ظلها وبسببها الحوثي والحراك الإنفصالي، والتطرف الديني، وسادها مار القيم البناءة، وتُوجت بتغلب الحوثي ودخوله صنعاء في 2014..

لست أعرف كيف سيكتب التاريخ عن الأخطاء السياسية القاتلة التي ساهمت في خلق الحوثي ابتداء، وتوسعه، وتغلبه في النهاية، وتسببه في كارثة وطنية غير مسبوقة.

أما صالح الذي كان يوصف بأنه داهية وذكي ( شخصيا لم أرَ من ذلك الشيء الكثير الذي يفيد في تدبير شأن اليمن ) ، فيكفي أنه ختم عهده وحياته السياسية، بالتحالف مع عدوه اللدود الحوثي، وعدو الدولة اليمنية في الحقيقة ، وفعل صالح ذلك وهو الذي حكم اليمن أكثر من ثلاثة عقود، حارب فيها الحوثي، ستة حروب، ويفترض أن خبرته الطويلة وذكاءه ودهاءه المفترض، دله بأن لا يتحالف مع الحوثي وإنما يواجهه.. الذكاء السياسي والدهاء الحقيقي، بل المسؤلية الوطنية والتاريخية تقتضي أن لا يتحالف صالح ولا غيره مع الحوثي. وإذا كان الذكاء والدهاء يقاس بمدة البقاء في الحكم، فغير صالح طال حكمهم أكثر، القذافي مثلا، وكل مجايلي صالح من الرؤساء العرب المستبدين، وحتى يحيى، الأمام ، الذي لم يخرج من صنعاء إلا مرة واحدة، لحمام دمت، وانتهى حكمه ، واليمن في حال أسوأ مما كان عليه حالها عند ما استلمها من الأتراك، قبل أربعين عاما من وفاته.
 

غير صالح من الساسة اليمنيين لهم أخطاؤهم الكبيرة التي أسهمت في تفاقم الأوضاع وتغلب الحوثي، ومنهم اللصوص الجشعون المتبجحون المعروفون، الذين سرقوا الثروة والثورة اليمنية واستغلوا فوضى عهد صالح، ونالوا من الوحدة، وتسببوا في إحباط كل شيء جميل وكل معنى محترم في اليمن، لكن خطأ صالح الكبير وعنوان خفة عهده الممتد، أنه تحالف في النهاية مع الشر المستطير والخطر الوطني المؤكد، الحوثي، حتى انتهى صالح يرحمه الله على يد حليفه اللدود ، على النحو المؤسف ، الذي لا يليق بصالح ، ولا يُقبل، على الرغم من أخطائه الكبرى ، يرحمه الله.

النكبة الكبرى، أن اليمن انتهت إلى الحال التي نعرف، نتيجة لبلادة الساسة والسياسة في اليمن، وثمنا للجشع والإستهتار طيلة عقود.